الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

242

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يعنون أن هؤلاء قد غرتهم دعوتك فتسرعوا إلى متابعتك ولو أعادوا النظر والتأمل لعلموا أنك لا تستحق أن تتبع . وانتصاب بادِيَ الرَّأْيِ بالنيابة عن الظرف ، أي في وقت الرأي دون بحث عن خفيّه ، أو في الرأي الأول دون إعادة نظر . وإضافة بادِيَ إلى الرَّأْيِ من إضافة الصفة إلى الموصوف ، ومعنى كلامهم : لا يلبث أن يرجع إلى متبعيك رشدهم فيعيدوا التأمل في وقت آخر ويكشف لهم خطؤهم . ولما وصفوا كل فريق من التابع والمتبوع بما ينفي سيادة المتبوع وتزكية التابع جمعوا الوصف الشامل لهما . وهو المقصود من الوصفين المفرقين . وذلك قولهم : وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فنفوا أن يكون لنوح - عليه السّلام - وأتباعه فضل على الذين لم يؤمنوا به حتى يكون نوح - عليه السلام - سيّدا لهم ويكون أتباعه مفضلين بسيادة متبوعهم . والفضل : الزيادة في الشرف والكمال ، والمراد هنا آثاره وعلاماته لأنها التي ترى ، فجعلوا عدم ظهور فضل لهم عليهم دليلا على انتفاء فضلهم ، لأنّ الشيء الذي لا تخفى آثاره يصح أن يجعل انتفاء رؤيتها دليلا على انتفائها إذ لو ثبتت لرئيت . وجملة بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ إبطال للمنفي كلّه الدال على صدقه في دعواه بإثبات ضد المنفي ، وهو ظنهم إياهم كاذبين لأنّه إذا بطل الشيء ثبت ضدّه ، فزعموا نوحا - عليه السلام - كاذبا في دعوى الرسالة وأتباعه كاذبين في دعوى حصول اليقين بصدق نوح - عليه السّلام - ، بل ذلك منهم اعتقاد باطل ، وهذا الظن الذي زعموه مستند إلى الدليل المحسوس في اعتقادهم . واستعمل الظن هنا في العلم كقوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] وهو إطلاق شائع في الكلام . [ 28 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 28 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) فصلت جملة قالَ يا قَوْمِ عن التي قبلها على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما قدّمناه عند قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً في سورة البقرة [ 30 ] ، فهذه لما وقعت مقابلا لكلام محكي يقال فصلت الجملة